أبي منصور الماتريدي

5

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وبعد : فإن الولد في الشاهد إنما يكون من جنس الوالد ومن جوهره ، ويكون من أشكاله ، وكل ذي شكل وجنس يكون فيه منقصة وآفة ؛ وكذلك الشريك إنما يكون من جنسه ومن شكله ، وإنما يقع الحاجة إلى الولد إما لعجز أو آفة ، فإذا كان الله سبحانه له ملك السماوات والأرض وهو خالقهما - فأنى يقع له الحاجة إلى الولد والشريك ؟ ! وقوله : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ : فيه دلالة نقض قول المعتزلة ؛ لأنه أخبر أنه خلق كل شيء ، وعلى قولهم أكثر الأشياء لم يخلقها من الحركات والسكون والاجتماع والتفرق وجميع الأعراض ؛ لأنهم يقولون : إنها ليست بمخلوقة لله ولا صنع له فيها . وقوله : فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً : جائز أن يكون قوله : فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً لحكمة أو فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً لوحدانية الله وألوهيته ، أو فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً أي : جعل له حدّا لو اجتمع الخلائق على ذلك ما عرفوا قدره ولا حده من صلاح وغيره ما لو لم يقدر ذلك لفسد . وقوله : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً أي : معبودا . ثم تسميته إياها - أعني : الأصنام التي عبدوها - : آلهة على ما عندهم وفي زعمهم : أنها آلهة ؛ والإله عند العرب المعبود ، يسمون كل معبود إلها ؛ وكذلك قوله : فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ [ الصافات : 91 ] عندهم وفي زعمهم ، وقول موسى : وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً [ طه : 97 ] في زعمهم وعندهم أن كل معبود إله ، وإلا قد عابهم بتسميتهم الأصنام : آلهة . ثم بين سفههم وقلة فهمهم في عبادتهم الأصنام وتسميتهم إياها : آلهة ؛ حيث قال : لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ [ النحل : 20 ] ، أي : يتركون عبادة من يعلمون أنه خالق كل شيء ، ويعبدون من يعلمون أنهم لا يخلقون وهم يخلقون ، ويتركون عبادة من يعلمون أنه يملك النفع والضر لأنفسهم أيضا ، وهو قوله : وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً لغيرهم ؛ فعلى هذا الظاهر يجيء أن يكونوا هم سموا أنفسهم : آلهة لا الأصنام ؛ لأنهم يملكون ضرر الأصنام ونفعها ، والأصنام لا تملك ذلك لهم ولا لأنفسها . وقال بعضهم في قوله : وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً أي : الموت الذي كان قبل أن يخلق الناس ، كقول الله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً [ البقرة : 28 ] . وأما قوله : وَلا حَياةً يقول : لا يملكون أن يزيدوا في هذا الأجل المؤجل ، وَلا نُشُوراً أي : بعثا بعد الموت . وقال بعضهم : لا يملكون أن يميتوا حيّا قبل أجله ، وَلا حَياةً : ولا يحيون ميّتا إذا جاء أجله ، وَلا نُشُوراً ، أي : بعثا ، على ما ذكرنا ، وبالله العصمة .